عبد الملك الجويني
37
الشامل في أصول الدين
لا يتناهى مثله . وإنما كان يلزم السؤال ، لو كان القاطع متناهيا والمقطوع غير متناهي . وهذا الذي قالوه لا محصول له ، فإن ما لا يتناهى يستحيل عليه الانقضاء من كل وجه ، وليس لانقضائه وجه في الجواز ووجه في الاستحالة ، كما أن الذي يقدر متناهيا ، يجوز تقدير انقضائه من كل وجه . والذي يوضح ما قلناه أن يقول الخصم : إن الجسم لا يتناهى جملة . وليس من أصله أن يتناهى جملا ولا يتناهى أجزاء ، إذ الجزء الفرد لا يتصور عدمه ، وإنما الذي لا يتناهى الجمل . فإذا استبان أن الجسم البسيط لا يتناهى جملة ، فكيف قطعتها جملة . والمقطوع من حيث الجمل لا يتناهى ؟ فلما لم يجدوا مخلصا مما ألزموا ، رام النظام انفصالا فقال : لا سبيل إلى قطع البسيط على الحقيقة . ولكن القاطع يقابل جزء منه ويطفر وهو في طفرته غير مقابل البسيط ، فيقطع الجسم قطعا وطفرا . وهذا الذي ذكره واضح البطلان ، قريب من جحد الضرورة . وسبيل الكلام عليه من أوجه : أحدها : أن نقول : ما قطعته مما سلمته متناه أو غير متناه ؟ فإن زعم أنه متناه ، فقد أثبت قدرا متناهيا ، وسلم المسألة . وإن زعم أنه غير متناه وقد تصور القطع فيه ، فما يغنيه بعد ذلك تصوير الطفرة ، وقد سلم قطع ما لا يتناهى ، وهذا أقصى مطلبنا . ثم الذي قاله يقسم عليه فيقال له : أتزعم أن الذي توسط الجسم البسيط هو في بعض أحواله غير مماس له ولا محاذ له ، أو تزعم أنه محاذ له . فإن زعم أنه غير مماس له ولا محاذ ، فهذا رد لما علم ضرورة وبديهة . وإن سلم أنه في طفره محاذ للجسم الذي يقطعه ، فهذا أقصى ما نروم . إذ ليس لتخصيص إلزامنا بالمماسة ، بل لو صورناه في طيران طائر ، لتكامل غرضنا . والذي يوضح ما قلناه : إن القاطع للجسم لو كان يخط خطا على ممره لرئي الخط ممتدا من الطرف إلى الطرف . فوضح أن المصير إلى استخراج بعض القطع لا محصول له . على إنا نقول : لو ساغ إثبات الطفرة من غير محاذاة ولا مماسة ، لما امتنع أن يبتدئ شخص قطع الأرض من أول المشرق ثم تتفق له طفرة إلى أقصى المغرب ، من غير أن يحاذي في طفرته أرضا ولا سماء ولا هواء ، وذلك كله في ألطف لحظة ، إذ الطفرة لا مدة لها . وهذا قريب من جحد الضرورات ، مع أنه لم يستقل بالجهالة التي أبدعها الخروج عن الإلزام ، إذ القدر الذي يسلم قطعه قامت عليه الحجة به . فإن قال : قد يتصور مثل ذلك ، فإنا لو صورنا جبّا عميقا وصورنا في وسطه خشبة معترضة ، وعلق بالخشبة أحد طرفي حبل ،